الشيخ حسن المصطفوي
92
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
قوما وترفع آخرين ، فخافضة إشارة إلى قوله - ثمّ رددناه أسفل سافلين . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو التواضع مقارنا بالعطوفة والرحمة ، كما انّ الخضوع كان تواضعا مع التسليم . ومفهوم الخفض هو مطلق ما يقال الرفع ، سواء كان في مقابل أمر مادىّ أو معنوىّ ويدلّ على الأصل : البيان والتوضيح في آية - . * ( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) * - 17 / 24 - فذكر الذلّ والرحمة للمبالغة والبيان . وأمّا مفاهيم - الانحطاط والإهانة واللينة والانقياد : فمن آثار ذلك الأصل . وأمّا السعة والدعة في العيش : فانّ ترك القيود والانحطاط في الجهات المادي وتخفيف العلائق الظاهريّة والانخفاض : توجب سعة في العيش وحريّة . وأمّا الختن في الجارية : فانّ الختن أوّل مرحلة في جريان حياة الجارية ، وأوّل تصرّف في وجودها وجسمها ، وهذا أوّل وسيلة في اللينة والانخفاض للتهيؤ والاستعداد للتعيش المادّى والورود إلى صراط الانقياد في مقابل الوظائف المربوطة بها . ويدلّ على كونه في مقابل الرفع : قوله تعالى - . * ( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ) * - 56 / 3 - أي ينخفض في تلك الواقعة من كان من جهة الاعتبارات الدنيويّة والعناوين الظاهريّة مرتفعا ، ويرتفع من كان من هذه الجهات منخفضا . فهذه الواقعة توجد تحوّلا في الأوضاع ومقامات الأفراد ، وتخفض طائفة وترفع آخرين . ولا يخفى أنّ هذا الخفض فيه معنى الرحمة : إذ القيود الاعتباريّة والعناوين الظاهريّة غير الحقيقيّة لا أثر لها في عالم الواقع والحقّ الَّا الحجاب والمستوريّة ، ولا تغنى عن الحقّ شيئا ، ولا تثمر الَّا تقيّدا ومزاحمة وابتلاء .